تكتب ماجدولين أبو عيسى من غزة في مقال نشرته صحيفة الجارديان عن رمضان يأتي هذا العام مثقلًا بالخوف والفقد، لكنه لا يخلو من تضامن عنيد يتمسك بالحياة رغم الخراب.
صمت يشبه الهدنة ولا يشبه السلام
تستقبل الكاتبة شهر رمضان هذا العام لا في بيتها بمدينة غزة، بل في غرفة مستأجرة بمنطقة الزوايدة بعد نزوح قسري. تصف الهدنة المعلنة بصمت ثقيل لا يبدد الخوف، إذ يبقى الموت حاضرًا في هيئة احتمال غير متوقع. تبحث عن سكينة تشبه ما عرفته سابقًا، لكنها تجدها شبحًا بعيدًا. لا تستقبل الشهر بفوانيس ذهبية ولا بزينة الشرفات، بل بضجيج الجرافات التي تزيل أنقاض البيوت المجاورة، وبأزيز الطائرات المسيّرة الذي يطغى على الأذان حتى أثناء الصلاة، ليذكر السكان بأن هذا “الهدوء” معلق بخيط رفيع.
ذاكرة المكان وكلفة البقاء
يبقى قلب الكاتبة معلقًا بين ركام غزة القديمة، حيث كانت الحياة نابضة في سوق الزاوية، وتفوح رائحة التوابل، وتعلو الدعوات الجماعية في المسجد العمري كحصن روحي. كان رمضان يعني دفئًا حقيقيًا، ومائدة تجمع العائلة والأصدقاء والجيران بلا حساب. اليوم، يتحول كل طقس إلى عبء ثقيل. النزوح يفرض ضيق المكان وقلق السماء، وكلفة المعيشة تقفز قفزة قاسية؛ ما كان يكفي شهرًا كاملًا صار يتطلب أضعافًا من المال دون أن يلبّي الحد الأدنى من الاحتياجات.
تمشي الكاتبة قبيل الغروب بين الركام والحفر، تتنفس غبارًا يلسع العينين، وتفكر ببساطة موجعة: ماذا يمكن إعداد الإفطار من القليل؟ كانت أمسيات رمضان سابقًا زمن ترقب وفرح، أما الآن فتتحول إلى حسابات دقيقة للعدس وما تبقى في الخزانة، في محاولة لصنع وجبة تشبه البيت ولو قليلًا.
التضامن بوصفه مقاومة
رغم الحزن والإرهاق، تلمح الكاتبة أملًا جميلًا يتحدى الجوع. يتقاسم الجيران حصصًا صغيرة بكرامة، في فعل تضامن يرتقي فوق الحاجة. ترى في هذا السلوك مقاومة مقدسة؛ إعلانًا بأن تدمير البيوت لا يكسر الروح الإنسانية. تُضاء شمعة واحدة لا لطرد الظلام، بل لأن إشعالها فعل انتصار بحد ذاته على اليأس.
الأطفال يواجهون الاختبار الأصعب. يتعلمون لغة الحرب قبل أناشيد رمضان، ويميزون أصوات القصف قبل أن يحفظوا أهازيج الشهر. حين يسألون: “هل سيعود القصف غدًا؟” فإنهم يسألون عن مستقبل لا يملك الكبار إجابة عنه. ومع ذلك، حين يعلقون زينة ممزقة على خيمة، يتجلى معنى جوهري: الأمل في غزة ليس شعورًا عابرًا، بل قرار واعٍ.
معنى السلام والحق في الأيام العادية
تؤكد الكاتبة أن الهدوء لا يساوي السلام. السلام الحقيقي يعني حق العيش العادي: السير إلى سوق قائم لا إلى ركام، الصلاة في مسجد لم يُدنَّس، العودة إلى حي لم يُسوَّ بالأرض، والنوم بلا خوف من أن يكون الصمت مقدمة لكابوس جديد. هذا رمضان بروح مختلفة؛ ومع صوت الأذان، تومض لحظة طمأنينة لا لأن العالم أنصف غزة، بل لأن أهلها ما زالوا هنا، ينسجون الأمل من خيوط الخراب.
تختم الكاتبة بأن الصيام والصلاة والبقاء أفعال استعادة للروح، لا طقوسًا من باب العادة، بل إصرارًا على الحياة في وجه الفناء.
https://www.theguardian.com/commentisfree/2026/feb/21/ramadan-gaza-pray-share-candle-hope#img-1

